لا ريب أن القرآن الكريم هو كتاب هداية لجميع الخلق ولم يقصر الله سبحانه وتعالى كتابه على أمة دون أمة أو جنس خاص دون جنس بل هو كتاب هداية للإنس والجان. كما قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى:

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا. (الفرقان: ١)

تبارك الذي نزل الفصل بين الحقّ والباطل، على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون صلى الله عليه وآله وسلم لجميع الجنّ والإنس، الذين بعثه الله إليهم داعيا إليه سبحانه وتعالى، منذرا ينذرهم عقابه ويخوِّفهم عذابه، إن لم يوحدوه ولم يخلِصوا له العبادة، ويخلعوا كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان. ( تفسير الطبري:١٩/ ٢٣٣)

ولكن طبيعة أكثر الناس تأبى أن تقبل الحق بلا معاندة ولا مكابرة، فسنة الله سبحانه وتعالى فيهم أن يرسل لهم الأنبياء والرسل ليدعوهم إلى طريق الحق والهداية، وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ل

لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ. (رواه الإمام أحمد: ١٦٩٥٧)

كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ:

قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَفَ وَالْعِزَّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ كَافِرًا الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَالْجِزْيَةَ. (المستدرك للحاكم: ٨٣٢٦)

فالعزة هي الأساس التي ينشده كل بني البشر منذ القدم يقول الشاعر:

عِشْ عَزِيزًا أَوْ متْ وَأَنْتَ كَرِيمٌ *** بَيْنَ طَعْنِ القَنَا وَخَفْـقِ البُنُـودِ

وقوله:

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيْـهِ *** مَا لِجُـرْحٍ بِمَيِّـتٍ إِيْـلاَمُ.

فأين تكمن هذه العزة الحقيقة وبماذا تكون؟

يقول سيدنا أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه:

إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ، ( المستدرك للحاكم: ٢٠٧)

إذن فما شرّفنا الله وأعزنا إلا بهذا الدين العظيم؛ وباختصار فإن العزة عنوان هذا الدين، فهو عزنا ومصدر رفعتنا وسيادتنا على الأمم كلها، وتاريخ المسلمين شاهد على ذلك.

ولتحقيق وعد الله سبحانه وتعالى في نشر هذا الدين وتحقيق عزة المسلم لا بد من مجاهدة كل من يريد الذلة لنا ولديننا، فلا يتوانى عن مواجهة المعتدين والظالمين الذين يمارسون الظلم والإذلال على عباد الله في الأرض ولله در القائل حين وصف حال الأمة قبل الإسلام.

وَالأَرضُ مَملوءَةٌ جَوراً مُسَخَّرَةٌ**لِكُلِّ طاغِيَةٍ في الخَلقِ مُحتَكِمِ
مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّتِهِ***وَقَيصَرُ الرومِ مِن كِبر ٍأَصَمُّ عَمِ
يُعَذِّبانِ عِبادَ اللَهِ في شُبهٍ***وَيَذبَحـانِ كَما ضَحَّيتَ بِالغَنَمِ

شهر رمضان شهر النصر والعزة

من المعلوم أن الصيام مصدر القوة الروحية التي تدفع إلى العمل والثبات، وكل واحد من المسلمين يجزم في اعتقاده أن الصيام عبادة فرضها الله سبحانه وتعالى عليه، وأداؤه يمدّه بالروح والعزم والثبات والنصر، ولذلك كان شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام إلى جانب الدفاع عن الحرمات وشهر العزة والثبات، فهو شهر الفتوحات الإسلامية، ففي هذا الشهر الكريم تحققت انتصارات رائعة ومن أشهر تلك الفتوحات الرمضانية معركة بدر ثم فتح مكة ومن ثم الأندلس وحطين وعين جالوت وغير ذلك.

فهذا الشهر العظيم ضمَّ الوقائع العظيمة على مدى تاريخ الإسلام، فمن يتصفح التاريخ، ويقلب أوراق الكتب تبرز أمامه الصورة المشرقة لهذا الشهر، ولكن أسفاً على أمة غابت عنها صورتها المشرقة وعن عينها لفترة زادت عن مئات السنين، فلذا أصبح من الصعب بل من المستحيل على العقل تصورها.

تلك الصورة المشرقة البارزة التي عُرِفتْ بالعزة والكرامة والنصر والفتوحات، والتقوى والمغفرة من الله سبحانه وتعالى والانتصارات.

فالأمر لا يحتاج من الباحث التحقيق والتدقيق وإمعان النظر في كتب التاريخ ليصل إلى هذه الصورة المشرِّقة بل يكفيه مجرد التصفح ولو سريعًا ليمر عليها بهدوء، وسيدرك بإذن الله تعالى ما في هذا الشهر العظيم من الوقائع العظيمة والأحداث القوية والفتوحات العالمية التي اتسمتْ بالعظمة في هذا الشهر العظيم، ومن أبرز هذه الفتوحات العظيمة:

غزوة بدر الكبرى

يحمل هذا الشهر العظيم ذكرياتٌ عريقة من ملاحم الإسلام، ففي يوم من أيامه الجليلة نصر الله فيه عبده وأعز الله فيه المسلمين وأذل المشركين الكافرين، وذلك في غزوة بدر الكبرى.

وهي غزوة جسّد فيها المسلمون كل أشكال الفداء والتضحية، حيث وقعت في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة.

تقول كُتُب السِّيرِ أنه خرج النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مع أصحابه وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ثيابهم مرقعة وبطونهم ظامئة، ولكن قلوبه زاكية نقية، وهمهم عالية قوية كيف لا وهم أحب الناس على وجه الأرض يومها.

وبدأت المعركة بالمبارزة بين المسلمين والكفار فخرج عتبة بن ربيعة، وتَبِعه ابنه الوليد، وأخوه شيبة بالتكبر والخيلاء يطلبون المبارزة، فخرج لهم شباب من الأنصار، فرفضوا مبارزتهم طالبين المبارزة من أقربائهم ومن بني عمومتهم، فخرج سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فقضى المسلمون على فرسان المشركين وقتلوهم، ثم أراد المشركون الهجوم الكاسح، فهجموا بالشدة والقوة ولكن المسلمين تحملوا هذا الهجوم وتصدَّوا له بقوة الإيمان فثبتوا، واستمر القتال حتى ظهروا عليهم وكتب الله النصر لهم بعد أن استشهد ١٤ رجلاً منهم ، وسقط من المشركين ٧٠ قتيلاً وكان من بين القتلى عدد من زعماء قريش، كأبي جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف، وأُسر منهم ٧٠، وهُزم الأعداء وفر بقية المشركين، لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم غنائم كثيرة في أرض المعركة.

ومن أهم ميزات هذه المعركة العظيمة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد بين مصارع المشركين قبل المعركة، ما أخطأ أحد منهم الموضع الذي حدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في الحديث الشريف عن عمر رضي الله عنه:

فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (صحيح مسلم: ٢٨٧٣)

وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، ومكث النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاث أيام في بدر وأرسل إلى المدينة رجلين من أصحابه ليبشرهم بالفتح المبين، فلما سمع أهل المدينة بالبشرى عمت البهجة والسرور واهتزت أطراف المدينة كلها تهليلا وتكبيرا، وتقدم المسلمون إلى طريق بدر ليهنئوا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بهذا الفتح المبين. (ملخصاً من كتب التاريخ، كالبداية والنهاية وتاريخ الطبري وغيرهما)

ولهذه الغزوة أهمية بالغة مع الانتصارات الكبيرة التي تحققت للمسلمين فيما بعد، بالإضافة للتأثيرات الإيجابية التي خلّفتها في نفوسهم، حيث رفعت من معنوياتهم وزادت في إيمانهم وقوّت من شوكتهم وذاع صيتهم، وهزَّت كيان أعدائهم، وأصبحوا ينظرون إلى المسلمين على أنهم قوة لا يستهان بها.

نقطة عجيبة حول غزوات النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

لم يكن هذا الفتح أو الفتوحات الإسلامية الأخرى استعماراً يُقصد بها إذلال الناس، واستعبادهم، ولم تكن تلك الحروب للتدمير أو القضاء على الأخضر واليابس! أو للغنائم وسرقة الدول الأخرى، بل كل ذلك هداية للناس، وتحريرًا للعقول، ورفعًا للظلم، وربطًا للناس برب العالمين وبأعلى أساليب العفة والشرف والنُبْل، وخير شاهد على ذلك قول ربعي بن عامر حين سأله رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. (البداية والنهاية:٧/٣٩)

فلم يكن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم متشوِّقًا لمحاربة الناس على الرغم من ابتدائهم العدوان عليه وعلى المسلمين، ومن أظهر الأدلة على ذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يقاتل قومًا قَطُّ إلا بعد أن دعاهم إلى الله تعالى، ولكن يزداد العجب حين نعلم بأن العدد الإجمالي لمجموع القتلى بين فريق المسلمين وأعدائهم في جميع الغزوات كما يذكر كتب التاريخ هو ١٢٨٤ قتيلاً فقط! منهم ٢٦٢ شهيدًا تقريبًا والباقي ١٠٢٢ عدد قتلى أعدائهم ومنهم ٦٠٠ من مقاتلي يهود بني قريظة وقد قتلوا قضاءًا لا قتالا، هذا في كل معاركهم أيام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وذلك على مدار عشر سنوات كاملة.
وكان دخول المسلمين للبلدان يحمل نور الهداية والتوعية والتنوير، فتهتز لذلك جنبات الأرجاء، ويزدهر معه العلم والاقتصاد، وينتشر الأمن والاطمئنان.

الانتصارات الرمضانية

عند ذكر الانتصارات الرمضانية ينصرف الذهن إلى الانتصارات الحربية والعسكرية التي تحققت للمسلمين على الأعداء في هذا الشهر العظيم المبارك بدءًا من غزوة بدر إلى فتح مكة إلى عين جالوت، أي لتلك الملاحم الإيمانية والانتصارات القوية التي كتب الله سبحانه وتعالى فيها العزة والتمكين والثبات والنصر المؤزز للمؤمنين، وهذا حق ولله الفضل، ولكن انتصارات المؤمن في هذا الشهر العظيم لا تقتصر على ذلك فحسب بل إنَّ رمضاننا فرصة عظيمة للانتصار على النفس الذي يؤهل للنصر على العدو، فهو فرصة للانتصار على المغريات من الدنيا والنفس والشيطان والهوى ولله در القائل :

إني بليت بأربع ما سلطت ***إلا لأجل شقاوتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ***كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟
إبليس يسلك في طريق مهالكي***والنفس تأمرني بكل بلائي
وأرى الهوى تدعو إليه خواطري***في ظلمة الشبهات والآراء
وزخرف الدنيا تقول أما ترى***حسني وفخر ملابسي وبهائي؟

فمن تلك الانتصارات العظيمة في هذا الشهر العظيم.

  1. الانتصار على الشيطان، وقد منح الله سبحانه وتعالى للمؤمن فرصة عظيمة فهيأ ذلك للصائم فصفدت الشياطين فيه كما في الحديث المشهور.
  2. الانتصار على الشهوات، فشهر رمضان المبارك يتيح الفرصة للتغلب على الشهوات المختلفة كشهوة النظر والسمع والكلام والبطن والفرج وغير ذلك من الشهوات.
  3. الانتصار على الرياء، فهو شهر الإخلاص بلا منازع، وقد توفرت للمؤمن جميع عوامل النجاح على كل دواعي الرياء وأسبابه، ومن تلك العوامل مراقبة الله سبحانه وتعالى بحيث يمنع نفسه من الطعام والشراب والشهوات المادية والمعنوية طيلة النهار استجابة لأمر خالقه ومالكه سبحانه وتعالى وهو عين الإخلاص.
  4. الانتصار على البخل والشح، وقد عده النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من المهلكات، فمن مقاصد الصيام العظيمة البذل والعطاء والجود والكرم، ولذا كان سيدنا وحبيبنا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة كما في الحديث الشريف.

هذه انتصارات على مستوى الفرد الصائم التي يتأهّل فيها للعزّ بالإيمان والعمل به الذي يؤهِّلُه للقوة والتغلب على جميع الأعداء، فما أعظم مدرسة الصوم في رمضان الخير والجود والتربية والتوجيه نحو طاعة رب العالمين.

رسالة توجيهة

سيرحل شهر رمضان ويتركنا فرادى كما يأتي ويرحل كل عام، ولكن الشك في بقائنا في الحياة بعده هل سنبقى لنستقبله مرة أخرى أم لا، وسيترك خلفه الفائز الغانم، أو الخاسر النادم.

فعلينا أن نغتنمه قبل أن يرحل عنا..
إنه فرصة عظيمة تتيح لنا الانتصار على أهواء النفس وشهواتها لنُشفى من أمراض القلب,
كالرياء والبخل والشح والعجب والحسد وغيرها,
هيا لنجعله شهر انتصار على الذنوب والمعاصي بشتى أنواعها,
ونودّع فيه الغفلة والعجز والكسل,
ونفوز بالتوبة وترك التسويف.